سيد محمد طنطاوي
176
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال قتادة وعطاء : نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم . بموسى والتوراة . ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبالقرآن . وقال أبو العالية والحسن : نزلت في أهل الكتاب جميعا ، آمنوا برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه ، ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك ، وطعنهم في نبوته في كل وقت ، وعداوتهم له ، ونقضهم لعهودهم وصدهم الناس عن طريق الحق ، وسخريتهم بآيات اللَّه . ويمكن أن يقال : إن الآية الكريمة على عمومها فهي تتناول كل من آمن ثم ارتد عن الإيمان إلى الكفر ، وازداد كفرا بمقاومته للحق ، وإيذائه لأتباعه ، وإصراره على كفره وعناده وجحوده . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال : * ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) * . أي إن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وعنادا وجحودا للحق * ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) * أي لن تتوقع منهم توبة حتى تقبل ، لأنهم بإصرارهم على كفرهم ، ورسوخهم فيه ، وتلاعبهم بالإيمان ، قد صاروا غير أهل للتوفيق لها ، ولأنهم حتى لو تابوا فتوبتهم إنما هي بألسنتهم فحسب ، أما قلوبهم فمليئة بالكفر والنفاق ولذا تعتبر توبتهم كلا توبة . وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم تابوا عند حضور الموت ، والتوبة في هذا الوقت لا قيمة لها . قال القرطبي : وهذا قول حسن كما قال - تعالى - : ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ . وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم ماتوا على الكفر ، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال . فإن قلت : قد علم أن المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى * ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) * ؟ قلت : جعلت عبارة عن الموت على الكفر ، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر . كأنه قيل إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر ، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم . فإن قلت : فأي فائدة في هذه الكناية ؟ أعنى أن كنى الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة ؟ قلت : الفائدة فيها جليلة وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار ، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة » « 1 » . والذي يبدو لنا أن الآية الكريمة أشد ما تكون انطباقا على أولئك الذين تتكرر منهم الردة من
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 383 .